فخر الدين الرازي

86

تفسير الرازي

اعلم أنه تعالى أبطل قول عبده الأوثان الأصنام بهذا المثل ، وتقريره : انه كما تقرر في أوائل العقول أالأبكم العاجز لا يكون مساويا في الفضل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية ، فلان يحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية كان أولى ، ثم نقول : في الآية مسألتان : ( المسألة الأولى ) أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات : ( الصفة الأولى ) الأبكم وفى تفسيره أقوال نقلها الواحدي . الأول : قال أبو زيد رجل أبكم ، وهو العيي المقحم ، وقد بكم بكما وبكامة ، وقال أيضا : الأبكم الأقطع اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام . الثاني : روى ثعلب عن ابن الأعرابي : الأبكم الذي لا يعقل . الثالث : قال الزجاج : الأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر . ( الصفة الثانية ) قوله ( لا يقدر على شئ ) وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل . ( والصفة الثالثة ) قوله ( كل على مولاه ) أي هذا الأبكم العاجز كل على مولاه . قال أهل المعاني : أصله من الغلط الذي هو نقيض الحدة . يقال : كل السكين إذا غلظت شفرته فلم يقطع ، وكل لسانه إذا غلظ فلم يقدر على الكلام ، وكل فلان عن الامر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه . فقوله ( كل على مولاه ) أي غليظ وثقيل على مولاه . ( الصفة الرابعة ) قوله ( أينما يوجهه لا يأت بخير ) أي أينما يرسله ، ومعنى التوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق . يقال : وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه . وقوله ( لا يأت بخير ) معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم . ثم قال تعالى ( هل يستوي هو ) أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع ( ومن يأمر بالعدل ) واعلم أن الآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفا بالنطق وإلا لم يكن آمرا . ويجب أن يكون قادرا ، لان الامر مشعر بعلو المرتبة . وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادرا ، ويجب أن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجوز ، فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكون قادرا عالما ، وكونه آمرا يناقض كون الأول أبكم ، وكونه قادر يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شئ وبأنه كل على مولاه ، وكونه عالما يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير ، ثم قال ( وهو على صراط مستقيم ) معناه كونه عادلا مبرأ عن الجور والعبث . إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان ، فكذا